عيد الغدير.. عيد الله الأكبر

آراء حرة
2018-08-28

يوم الغدير يوم عيد بل أعظم الأعياد وأشرفها، وَهُوَ عِيدُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ، وَمَا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّاً قَطُّ

يوم الغدير يوم عيد بل أعظم الأعياد وأشرفها، وَهُوَ عِيدُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ، وَمَا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّاً قَطُّ إِلَّا وَتَعَيَّدَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، لأنه يوم إكمال الدين وتمام النعمة.

فقد رُوي عن الامام جعفر بن محمد الصادق عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام أنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله: "يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ أَفْضَلُ‏ أَعْيَادِ أُمَّتِي‏، وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِيهِ بِنَصْبِ أَخِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام عَلَماً لِأُمَّتِي يَهْتَدُونَ بِهِ مِنْ بَعْدِي، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَكْمَلَ اللَّهُ فِيهِ الدِّينَ، وَ أَتَمَّ عَلَى أُمَّتِي فِيهِ النِّعْمَةَ، وَرَضِيَ لَهُمُ الْإِسْلَامَ دِينا ...".

سُمي بهذا الاسم لاجتماع النبي المصطفى صلى الله عليه وآله بأمر من الله عَزَّ وجَلَّ في هذا اليوم مع عشرات الألاف من صحابته لدى عودته من حجة الوداع في موضع بين مكة والمدينة المنورة يُسمى بغدير خم، فسمي اليوم باسم الموضع.

لقد أكمل الله عَزَّ وجَلَّ دينه وأتم نعمته على المؤمنين بتنصيب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام خليفة ووصياً وإمام من بعد النبي صلى الله عليه وآله في يوم غدير خم فهو عيد عظيم بل من أعظم الأعياد لأنه يوم إكمال الدين وتمام النعمة وأي نعمة أعظم من نعمة إكمال الدين وإتمام النعمة الالهية، وهذه النعمة تستحق الشكر والثناء وتمجيد الله عَزَّ و جَلَّ من قِبَل المؤمنين على ما منَّ عليهم في هذا اليوم المبارك.

وحديث الغدير يتلخص في أنه لمّا قضى رسول الله صلى الله عليه واله نسكه أشرك علياً في هديه وقفل راجعاً الى المدينة معه علي والمسلمون حتى انتهى الى الموضع المعروف بغدير خم وليس بموضع يصلح للمنزل لعدم الماء فيه والمرعى، فنزل صلى الله عليه وآله في الموضع ونزل المسلمون معه.

وكان سبب نزوله في هذا المكان، نزول القرآن عليه بتنصيب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام خليفة في الأمة بعده، وكان قد تقدّم الوحي اليه في ذلك من غير توقيت له، فأخره لحضور وقت يأمن فيه الاختلاف منهم عليه.

وعلم الله عزوجل انّه ان تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس الى بلدانهم واماكنهم وبواديهم، فأراد الله أن يجمعهم لسماع النصّ بخلافة وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وتأكد الحجة عليهم فيه. فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ)

يعني في استخلاف علي عليه السلام والنص بالامامة عليه: (وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)

فأكد الفرض عليه بذلك وخوّفه من تأخير الامر فيه وضمن له العصمة ومنع الناس منه.

وجاء حسّان بن ثابت الى رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله أتأذن لي أن أقول في هذا المقام ما يرضاه الله؟ فقال له: قل يا حسان على اسم الله, فوقف على نشز من الارض وتطاول المسلمون لسماع كلامه فأنشأ يقول:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم           بخم وأسمع بالرسول منادياً

وقال فمن مولاكم ووليكم؟           فقالوا ولم يبدو هناك التعاديا

إلهك مولانا وانت ولينا             ولن تجدنّ منا لك اليوم عاصياً

فقال له قم يا عليّ فإنني            رضيتك من بعدي اماماً وهادياً

فمن كنت مولاه فهذا وليّه          فكونوا له أنصار صدق موالياً

هناك دعا اللهم والي وليه            وكن للذي عادى علياً معادياً

 

فقال له رسول الله صلى الله عليه واله لا تزال يا حسان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.

وذلك أشعار منه صلى الله عليه واله على عدم ثبات حسان على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام كما ظهر أثره بعد وفاته صلى الله عليه واله.

 

 وللكميت الشاعر قصيدة في المقام نذكر ثلاثة ابيات منها:

ويوم الدوح دوح غدير خم           ابان له الولاية لو أطيع

ولكن الرجال تبايعوها               فلم أر مثلها خطراً منيعا

ولم أر مثل ذلك اليوم يوماً           ولم أر مثله حقاً أضيعا

 

ولكي نعرف طبيعة وحجم المسؤولية التي يلقيها الغدير على عاتقنا، يجب أولاً أن نسأل أنفسنا، إلى أي مدى تعرّف العالم المعاصر على الغدير وسبر أسراره العميقة؟ وإذا كان يجهل الغدير فمن الذي يتحمل مسؤولية هذا الجهل؟ وما طبيعة المسؤولية التي نضطلع بها في الغدير أمام الله عز وجل وتجاه المجتمعات الإسلامية؟

في الحقيقة، لا يحمل الجيل الحالي عموماً تصوراً واضحاً وصحيحاً عن الغدير، وتقع مسؤولية ذلك على عاتقنا نحن في الدرجة الأولى، فلو أدينا واجبنا في شرح واقعة الغدير للناس لكان الوضع أفضل مما نحن عليه الآن، كان علينا أن نوضح للعالم بأن الغدير يعني تحقيق الرفاهية وتوسيع نطاقها، وبلوغ التقدم والرقي وعمران المجتمعات الإنسانية، الغدير يعني المساواة بين الممسكين بمقاليد الاقتصاد والمال وبين باقي أفراد المجتمع، والقضاء على الطفيلية والعصابات.

وحسب ثقافة الغدير فإن المسؤولين عن الشؤون المالية هم المؤتمنون فحسب ولا شيء أكثر من ذلك والخلاصة: إن الغدير يعني ميثاق ولاة الأمر مع الله عز وجل بأن يجعلوا مستوى عيشهم بمستوى أقل الأفراد في المجتمع، وأن يحاكوهم في المأكل والمسكن والملبس والرفاهية.... الخ.

لقد كانت إحدى خصال الإمام علي سلام الله عليه خاصة في فترة خلافته هي تعاطفه مع الناس، ويتجلى تعاطفه مع أفقر الناس من خلال عمله وقد قال: (ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه).

فهو سلام الله عليه لم يضع حجراً على حجر، ولم يسكن قصراً فارهاً ولم يمتط فرساً مطهماً، وتحمل كل المصاعب هذه لئلا يكون هناك فرد في أقصى نقاط دولته يتبيغ بفقره لا يجد حتى وجبة غذاء واحدة تسد رمقه، وهو القائل: (لعل هناك بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع) لذا، فإنه لمجرد أن يحتمل سلام الله عليه وجود أفراد في المناطق النائية من رقعة حكومته جوعى، لم يكن ينام ليلته ممتلئ البطن، وقد حرم نفسه حتى من متوسط الطعام واللباس والمسكن ولوازم الحياة العادية أراد الإمام علي سلام الله عليه بنهجه هذا تحقيق هدفين:

الأول: أن يبعد عنه أي شبهة كحاكم إسلامي، ويسلب منتقديه أي حجة تدينه، هؤلاء المنتقدين الذين أنكروا عليه حتى مناقبه.

والهدف الثاني: هو تذكير الحكام المسلمين بمسؤولياتهم الخطيرة تجاه آلام الناس وفقرهم في ظل حكوماتهم، وضرورة إقامة العدل والتعاطف مع آلامهم وعذاباتهم، والسعي بجد من أجل تأمين الرفاهية والعيش الكريم لهم.

من هذا المنطلق، فإن مجرد احتمال وجود أناس يتضورون جوعاً في أبعد نقاط الحكومة الإسلامية يعتبر في ميزان الإمام علي سلام الله عليه مسؤولية ذات تبعات، لذا فهو سلام الله عليه يؤكد على الحكام ضرورة أن يجعلوا مستوى عيشهم بنفس مستوى عيش أولئك، وأن يشاركوهم شظف العيش.

وهناك تتجلى عظمة الغدير أكثر فأكثر، وتسطع أنوار القيم والتعاليم السامية التي يحملها يوماً بعد آخر، تلك القيم التي تؤمن التوازن السليم بين المتطلبات الروحية والعقلية والمادية والمعنوية للبشر، لتحقق السعادة للجميع أفراداً ومجتمعات حكاماً ومحكومين.

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/relations113
التعليقات